كتب / محمد الصبري

تظل مدينة تعز، برمزيتها الوطنية والثقافية، عصيةً على الانكسار والتدجين مهما بلغت ضراوة الحصار واستُدعيت تحالفات الهيمنة. إن ما تعرضت له هذه المحافظة في قراها، وجبالها، وسهولها، ووديانها لم يكن مجرد جولة صراع سياسي عابر، بل تياراً متجدداً من الاستهداف الذي يمس كل شبرٍ فيها، ليصل إلى الإنسان والشجر والحجر.

أولاً: عطاء المدينة ومظلومية التاريخ

لم تكن تعز يوماً حلبةً للاعتداء أو منطلقاً لحروب التوسع، بل كانت على الدوام عاصمةً تنويرية ورافداً أساسياً للبناء والتعايش السلمي: منارة العلم والمعرفة: أرسلت تعز أبناءها إلى كل أرجاء الوطن ليكونوا المعلمين والأطباء والمهندسين والعلماء الذين أخذوا بيد اليمن نحو العصرنة. سواعد البناء والتنمية: قدمت تعز للبلاد العمال، والحرفيين، والفنانين، والمبتكرين الذين أقاموا أسس الحياة المدنية والخدمية في مختلف المحافظات.ثقافة السلم والمدنية: ظلت تعز مؤمنة بدولة النظام والقانون، رافضة لثقافة السلاح والعصبية المذهبية أو القبائلية.

ثانياً: جذور العداء ومحاولات الإخضاع

إن المحاولات الحثيثة لإخضاع تعز، والتجييش القبلي والعسكري المستمر ضدها من مناطق متعددة، ينبعان من تناقض بنيوي عميق بين مشروعين: مشروع الدولة والمدنية: الذي تمثله تعز بأفكارها، وتنوعها، وإيمانها بالمواطنة المتساوية.مشروع المركزية المغلقة والعصبية الضيقة: الذي يرى في الوعي التعزي تهديداً لنفوذه وهيمنته التاريخية.ولم يتوقف هذا الاستهداف عند حدود القصف والحصار، بل تعدى ذلك إلى حملات التنميط الاجتماعي وإطلاق النعوت والمسميات العنصرية والمناطقية المقتوتة؛ في محاولة بائسة لكسر كبرياء الإنسان التعزي وتجريده من حقوقه الوطنية والإنسانية.

 

ثالثاً: السؤال المسكوت عنه ومستقبل التعايش

تطرح هذه التراكمات القاسية أسئلة جادة وعميقة حول إمكانية استمرار صيغة الشراكة القديمة:غياب الأصوات الرشيدة: كيف تستمر الحروب الشاملة على طفل وامرأة ومدنيي تعز دون أن تبرز حركة رفض مجتمعية حقيقية تعلو فوق الصوت القبلي والعسكري؟ أزمة المواطنة المتساوية: كيف يمكن الحديث عن "عيش مشترك" ودولة واحدة في ظل استمرار التعامل مع تعز كطرف ملحق يُطلب منه الانقياد والتسليم فقط؟

رابعاً: نحو تحديد المصير وإدارة الذات

أمام هذا الواقع الممتد لعقود، يقف أبناء تعز أمام لحظة فارقة تتطلب شجاعةً في التفكير ومراجعة مسار المستقبل: رفض التبعية والوصاية: لم يعد ممكناً قبول استنزاف تعز أو التعامل مع أبنائها كمواطنين من الدرجة الثانية. الحكم الذاتي وإدارة الشأن المحلي: إن استحقاق تعز في إدارة شؤونها الأمنية، والاقتصادية، والسياسية بعيداً عن مركزية الهيمنة في صنعاء بات خياراً موضوعياً لحماية وجودها وكرامة أبنائها.بناء المستقبل المستقل: لتعز رؤيتها وثقافتها ونمط حياتها المدني، ومن حق أبنائها رسم مستقبل مدينتهم وتقرير مصير أجيالهم في إطار نظام يضمن لهم أمنهم، وحريتهم، وتنميتهم بعيداً عن أزمات القوى التقليدية. ستبقى تعز رائدة الفكر والمدنية، وشامخة بجبالها وأبنائها، ومهما اشتدت الظروف فإن الوعي والكرامة هما السلاح الذي لا يُقهر.