في مساءٍ جميل، كنت أجلس مع جدتي أتابع أخبار الرياضة، رغم أنني لست من المتابعين الدائمين لكرة القدم.لكن شيئًا ما شدّ انتباهي هذه المرة...فخلال الفترة الماضية كنت أقرأ بعض التعليقات والتصريحات التي أطلقت الأحكام على لاعبي المنتخب اليمني قبل أن تبدأ الحكاية.منهم من قال: "فاشلون."ومنهم من قال:"غير مؤهلين."ومنهم من تحدث وكأن الهزيمة أمرٌ محسوم قبل أن تُلعب المباراة.أغلقت الهاتف ونظرت إلى جدتي وقلت:"يا جدة، لماذا يستعجل البعض في كسر أحلام الناس؟"ابتسمت ابتسامة الواثق وقالت:"يا ولدي، لا يزعجك كلام المتشائمين.""فكم من إنسانٍ سخروا منه، ثم رفعه الله فوق توقعاتهم."وأضافت:"دعهم يتكلمون... والملعب هو من يجيب."ومضت الأيام...وجاءت اللحظة التي انتظرها اليمنيون.لحظة الفرح.لحظة رفع الرأس.لحظة التأهل إلى كأس آسيا 2027.في تلك الليلة لم تكن الفرحة فرحة لاعبين فقط...بل فرحة شعبٍ كامل.شعبٍ اعتاد أن يفرح بالإنجازات الصغيرة قبل الكبيرة، لأن الظروف الصعبة جعلت لكل نجاحٍ طعمًا مختلفًا.نظرت إلى جدتي وقلت:"يا جدة... لقد تأهلوا." فابتسمت وقالت:"ألم أقل لك؟""الله لا يضيع تعب المجتهدين."ثم أضافت:"وهؤلاء اللاعبون يستحقون كلمة شكر قبل أي شيء.""فهم لم يمثلوا أنفسهم فقط، بل حملوا اسم اليمن في قلوبهم."وتابعت:"ليس من العدل أن نبحث عنهم عند الخسارة فقط، ثم ننسى دعمهم عند النجاح."وفي تلك الليلة، كان هناك رجلٌ آخر دخل قلوب اليمنيين من أوسع الأبواب...المدير الفني الجزائري نور الدين ولد علي ...رجلٌ جاء في ظروف معقدة وصعبة، وعمل بصمت، وآمن باللاعب اليمني حين شكك فيه كثيرون.لم يكن يحمل عصًا سحرية...لكنه حمل الإيمان، والعمل، والثقة.فصنع مع اللاعبين قصةً جميلة ستبقى في ذاكرة الجماهير.قلت لجدتي:"يا جدة، اليمنيون يحبون هذا المدرب كثيرًا."فقالت:"ومن يزرع الخير في قلوب الناس يحصد محبتهم.""الناس لا تتذكر الجنسية ولا اللون ولا اللهجة...""بل تتذكر من وقف معها بصدق. ثم رفعت يديها بالدعاء وقالت:"اللهم بارك في لاعبي اليمن، واحفظهم من كل سوء، وأعنهم على تمثيل وطنهم خير تمثيل.""اللهم اجزِ كل من بذل جهدًا لأجل إسعاد هذا الشعب، من مدربين وإداريين ولاعبين وجماهير.""واحفظ الجزائر وأهلها، وبارك في كل يدٍ مدت الخير والمحبة لإخوانها."وفي نهاية الحديث قالت جدتي جملةً جميلة:"يا ولدي... أحيانًا يكون أفضل رد على السخرية ليس الكلام، بل النجاح."فأيقنت أن المنتخب اليمني لم يرد على المنتقدين بتصريح...بل رد عليهم بورقة التأهل نفسها...ألف مبروك للمنتخب اليمني، وألف مبروك لكل يمني فرح بهذا الإنجاز.