قرأنا خبراً بأن رئيس الحكومة الدكتور «الزنداني» شدد على التزام موظفي الدولة بالدوام الرسمي. ونظن أن الخبر عار من الصحة ـ ونضع تحت كلمة «عار» ألف خط ـ إلا إذا كانوا يعيشون في عالم آخر من صنع أوهامهم وبنات أفكارهم. نحترم الانضباط، ونعتقد أن الدعوة إلى التشديد بحد ذاتها ليست المشكلة. لكن قبل أن يطالبوا الموظف الطفران، العريان، الكحيان، الطفشان بالمثالية، عليهم أن يضبطوا سوقهم. كان على دولتهم وحكومتهم أن تقوما بواجباتهما تجاه الشعب، وأن توفرا الخدمات الأساسية، وأن تحترما إنسانيتنا وحقنا في حياة كريمة. أكثر ما يستفزنا أنهم إذا فشلوا وعجزوا عن رفع المعاناة عن الشعب استدعوا شماعة الظروف الاستثنائية والطوارئ التي تمر بها البلاد. أما عندما نحتاجهم، فتموت ضمائرهم، وتتبلد حواسهم، ويختفي شعورهم بالإنسانية، ويغيبون عن المشهد، فلا نسمع إلا هسيسهم وفسيسهم وخسيسهم. كان الأولى بـ «الزنداني» أن يستفيق على صراخ الناس المسحوقين وأنين المقهورين، الذين تعذبهم وتعاقبهم سياساتكم وهشاشة مواقفكم. الكهرباء تنقطع لساعات طويلة، والناس في عدن حياتهم طافية، ويعانون موجة حر قاتلة، ويعيشون ويموتون في الظلام. لا أحد يسعفهم أو ينظر إليهم أو تجرأ وقال لحليفهم «حرام». موقفهم ليس منطقياً، صمتوا دهراً وأمروا كفراً!، والمصيبة إن كانوا لا يعلمون أن الناس في عدن لا ينامون ولا يعيشون حياة طبيعية. حتى إن كان مخنا «سحاوق»، فلا يمكن أن تستخفوا بنا بهذه الطريقة العبيطة. بطلوا هبالة واضبطوا عربدة شرعيتكم، تنهبوننا عيني عينك، وتبهرروا!. إن 99% تقريباً من مسؤولي الدولة، كباراً وصغاراً، هم وأسرهم، قضوا عيدهم في الخارج، وما يزال أكثرهم متعلقاً بسبلة العيد، ونظن أنهم مطولون إلى نهاية السنة.ونتحدى «الزنداني» أن يأمرهم بالانضباط أو يخصم عليهم فلساً واحداً، سيقبضون رواتبهم وامتيازاتهم كاملة، وفوقها بوسة. وأكثر من 80٪ منهم - ربما أكثر- يقيمون إقامة دائمة خارج البلاد، وربما لم يزوروا العاصمة عدن حتى مرة واحدة. وكثيرون صدرت قرارات تعيينهم وهم يتسكعون في شوارع عواصم العالم، أو سكارى في المراقص والبارات. المعسكرات والألوية كثيرة بعتادها وجنودها الوهميين، موجودة على الورق فقط تصرف لهم ميزانيات هائلة. وتخصص الشرعية ميزانية خاصة باسم «الإعاشة»، تصرف على مئات المستشارين والنازحين والمشردين و(...)، وعشرات الصحفيين، وشراء الذباب، وليس مطلوباً منهم أن يداوموا. كل مسؤول في الشرعية، من الوزير إلى المدير، يستلم راتباً، وربما راتبين، إضافة إلى الامتيازات والمخصصات والنثريات، وتجد اسمه في أكثر من لجنة وكشف إعاشة. ورئيس الحكومة نفسه لم «يفلت» حقبة الخارجية، فلا تقولوا لنا إن روحه وطنية!. ونعرف وزراء منذ اختيارهم، لم يباشروا أعمالهم في وزاراتهم بالعاصمة عدن!. دولة الشرعية كلها تتكفل بها اللجنة الخاصة، ويصرف عليها من أموالنا ودم قلوبنا. ثم يقولون للموظف الكحيان «ما فيش راتب، خزينة الدولة خاوية»، وعليك أن تلتزم بالدوام!. كل هؤلاء يعيشون مترفين، ويسكرون من سلا، ويتصعلكون بأموالنا وعلى حساب معاناتنا. ومرفوع عنهم قلم الانضباط وبصمة الدوام، ولا أحد يسألهم أو يراقبهم أو يخصم عليهم سنتاً واحداً، بل ربما يكرموهم. يتقاسمون السلطة والثروة، ولا يرون في الشعب إلا «شاقي أجير» عندهم. شرعيتهم تستقيم على أعناقنا وآلامنا وقهرنا، وربما على سحقنا وموتنا. ثم يأمروننا بالانضباط، لكي نشقى ونكدح ونؤسس لهم ولعائلاتهم وأبنائهم وأحفادهم دولة على مقاسهم.يا ليتهم يأمروننا بفلوس، لكن أكثرنا موظفون لديهم بالمجان!. وإن كان الخبر صحيحاً، فلعنة الله على كل ظالم.