تقرير/ يسلم الحفشاء

في الأوقات العصيبة لا تُقاس قيمة الرجال بما يرفعونه من شعارات، بل بما يصنعونه من أثر حين تضيق الطرق، وتتراجع الإمكانيات، وتخفت الأحلام. وفي عالم الرياضة، لا يبقى في ذاكرة الجماهير إلا أولئك الذين تمسكوا بالحلم حين كان الانهيار أقرب من النجاة، وحملوا مسؤولية الحفاظ على نبض اللعبة في زمن كانت فيه الملاعب مهددة بالصمت الطويل.ومن بين الشخصيات التي ارتبط اسمها بتاريخ الكرة اليمنية الحديثة، يبرز اسم أحمد صالح العيسي بوصفه أحد أبرز الرجال الذين تعاملوا مع الرياضة باعتبارها قضية وطنية ورسالة تتجاوز حدود الإدارة والمناصب، مؤمنًا بأن كرة القدم ليست مجرد منافسة رياضية، بل مساحة أمل لشعب يبحث عن الفرح وسط ركام الأزمات.حين تعثرت الملاعب.. كان العيسي يعيد بناء الأمل...شهدت اليمن خلال السنوات الماضية ظروفًا استثنائية ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات، وكانت الرياضة من أكثر المجالات تأثرًا. توقفت البطولات، وتعطلت الأنشطة، وأغلقت الملاعب أبوابها، فيما دخلت الأندية واللاعبون في مرحلة صعبة كادت أن تُفقد الكرة اليمنية حضورها وتاريخها.وفي الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الدوري المحلي أصبح جزءًا من الماضي، وأن العودة باتت مستحيلة في ظل التحديات القائمة، اختار أحمد صالح العيسي طريقًا مختلفًا، قائمًا على الصبر والعمل المتواصل وإعادة ترتيب البيت الكروي من الداخل.لم يستسلم الرجل للظروف، بل ظل يتحرك في كل الاتجاهات، يجتمع بالقيادات الرياضية، ويتواصل مع الأندية، ويبحث عن سبل الدعم، واضعًا أمامه هدفًا واضحًا يتمثل في إبقاء الكرة اليمنية حيّة مهما اشتدت الأزمات.وقد أدرك مبكرًا أن انهيار المسابقات المحلية يعني انهيار مستقبل اللعبة بالكامل، وأن المنتخبات الوطنية لا يمكن أن تنهض دون دوري قوي يصنع اللاعبين ويعيد اكتشاف المواهب....مشروع متكامل لإعادة الحياة للكرة اليمنية...ما ميّز تجربة العيسي في قيادة الاتحاد اليمني لكرة القدم أنه لم يعتمد على الحلول المؤقتة، بل سعى إلى بناء قواعد راسخة يمكن أن تستند إليها الكرة اليمنية لسنوات طويلة...وخلال الفترة الماضية، عمل الاتحاد على إعادة تفعيل المسابقات المحلية، وتنشيط اللجان التنظيمية، وإقامة الدورات والورش التدريبية للمدربين والإداريين، إلى جانب الاهتمام بالفئات العمرية المختلفة باعتبارها الأساس الحقيقي لمستقبل اللعبة.كما حرص الاتحاد على تأهيل الكوادر الفنية والإدارية، وإيجاد حالة من التواصل المستمر مع الأندية رغم التحديات المالية والتنظيمية الكبيرة، في خطوة تعكس إيمان القيادة الرياضية بأن بناء الإنسان الرياضي لا يقل أهمية عن إقامة البطولات نفسها.وفي إطار هذا التوجه، دشن رئيس الاتحاد مؤخرًا ورش إعداد مدربي أندية الدرجة الأولى والمنتخبات الوطنية، تأكيدًا على أن إعادة بناء الكرة اليمنية لا تقتصر على عودة المباريات فقط، بل تشمل أيضًا تطوير الفكر الفني والإداري للعبة.

دوري الدرجة الأولى.. الحلم الذي عاد بعد سنوات الغياب

يبقى الإنجاز الأبرز والأكثر تأثيرًا في وجدان الجماهير اليمنية هو إعادة دوري أندية الدرجة الأولى للموسم الرياضي 2025 – 2026 بعد سنوات طويلة من التوقف والتعثر.ولم تكن العودة شكلية أو رمزية، بل جاءت بصورة تليق بتاريخ الكرة اليمنية، من خلال إقامة البطولة بنظام الذهاب والإياب، بما يعيد للمنافسة قوتها وحضورها الجماهيري.لقد شكّل هذا القرار نقطة تحول مهمة أعادت الروح إلى الملاعب والأندية والجماهير، وأكدت أن الكرة اليمنية ما تزال قادرة على النهوض رغم كل الصعوبات.وجاءت العودة بعد سلسلة طويلة من الاجتماعات والترتيبات والتنسيق مع الأندية والجهات الرياضية المختلفة، إضافة إلى جهود مالية وتنظيمية كبيرة بذلها الاتحاد بقيادة أحمد صالح العيسي لإنجاح الموسم الجديد.وفي ظل الظروف التي تعيشها البلاد، فإن إعادة الدوري بهذا الشكل تُعد إنجازًا استثنائيًا يعكس حجم الإصرار والعمل الذي بُذل من أجل إعادة الحياة للمشهد الكروي اليمني.أعاد الجماهير إلى المدرجات.. وأعاد الشغف إلى الشارع الرياضي كرة القدم ليست مجرد لعبة تُمارس داخل المستطيل الأخضر، بل هي حالة وجدانية يعيشها الناس بكل تفاصيلها. هي فرحة مدينة، وانتماء جمهور، وأحلام لاعب صغير يرى في نجوم الكرة قدوته ومستقبله.وعندما توقفت البطولات، غاب جزء كبير من هذا الشعور عن الشارع اليمني، وانطفأت الكثير من ملامح الحماس الرياضي.لكن عودة المنافسات أعادت معها شيئًا من الحياة. عادت الجماهير للحديث عن فرقها المفضلة، وعادت المنافسة على الصدارة، وعادت التحليلات الرياضية والحوارات الكروية، كما استعادت الأندية حضورها الإعلامي والجماهيري.لقد نجح الاتحاد اليمني لكرة القدم بقيادة أحمد صالح العيسي في إعادة الثقة إلى الوسط الرياضي، ومنح الجماهير مساحة جديدة للفرح والانتماء، في وقت كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى أي نافذة تبعث الأمل.

قيادة تحملت المسؤولية في أصعب المراحل

كثيرون يصلون إلى المناصب، لكن القليل فقط من يحولون المنصب إلى رسالة ومسؤولية وطنية.وخلال سنوات رئاسته للاتحاد اليمني لكرة القدم، أثبت أحمد صالح العيسي أنه لم يتعامل مع موقعه الإداري باعتباره مجرد لقب أو حضور بروتوكولي، بل باعتباره مهمة وطنية تتطلب الصبر والعمل والتضحية.واجه الرجل تحديات مالية وإدارية معقدة، وتحمّل الكثير من الضغوط والانتقادات، لكنه ظل متمسكًا بقناعته بأن الكرة اليمنية تستحق أن تبقى حاضرة، وأن الرياضة قادرة على صناعة الفرح حتى في أصعب الظروف.ولولا هذا الإصرار، لما كانت الجماهير اليوم تشاهد عودة الدوري، أو تسمع عن خطط لإحياء البطولات المحلية وتنشيط الساحة الرياضية من جديد.

حارس الحلم الكروي اليمني

حين تعود المدرجات للاهتزاز، وتعود الملاعب للحياة، وتعود الجماهير للغناء لأنديتها المفضلة، فلا بد أن يُذكر الرجل الذي كان خلف هذا المشهد.إن ما تحقق اليوم للكرة اليمنية لم يكن صدفة عابرة، بل ثمرة سنوات من العمل والتخطيط والإيمان بأن الرياضة يمكن أن تنهض حتى وسط الظروف الصعبة.ولهذا، فإن أحمد صالح العيسي يستحق التقدير من كل رياضي يمني، ومن كل عاشق لكرة القدم، لأنه لم يكن مجرد رئيس اتحاد، بل كان بالفعل حارس الحلم الكروي اليمني في زمن الانكسارات، والرجل الذي أعاد نبض الكرة اليمنية وأشعل الفرح في مدرجات الوطن.