بقلم / ياسر الاعسم 

 تعد تجربة الرأس الأخضر «كابو فيردي»، التي لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة، من أبرز قصص النجاح في كرة القدم الإفريقية والعالمية.إنها تجربة ملهمة، ومشروع حلم احتاج إلى سنوات طويلة من العمل، والصبر، والأمل، والإيمان بالنجاح. قصة بناء كرة القدم في الرأس الأخضر جديرة بأن نتخذها قدوة، وتستحق أن نتوقف عندها كثيراً، نتأملها، وندرسها، ونتعلم منها. ما يقدمه هذا المنتخب في بطولة كأس العالم هو حصاد سنوات من العمل، ويعكس نجاح استراتيجية طويلة الأمد اعتمدت على مجموعة من العوامل المتكاملة، أبرزها:- الاستثمار في البنية التحتية.- الاهتمام بالفئات السنية.- الاستفادة من أبناء الجالية.- بناء شراكات مع الأندية والمؤسسات.- ربط الرياضة بالتنمية الاجتماعية. بدأ المشروع فعلياً عام 2018 بقيادة البرتغالي «بيدرو فيغيريدو»، بعد تعيينه مديراً فنياً للاتحاد، ومدرباً مساعداً للمنتخب الوطني. وقد أطلق برنامجاً شاملاً لتطوير المدربين، وإنشاء مراكز لتكوين الشباب، وإعادة هيكلة مسابقات الفئات السنية، والاستفادة من اللاعبين المهاجرين. ويعد «بيدرو» مهندس التجربة الحديثة، لكنه لم يبدأ من الصفر، فقد بني المشروع عبر مراحل، وعلى نموذج المدرسة البرتغالية. فبين عامي 2008 و2010 بدأت ملامح المشروع مع المدرب البرتغالي «جواو دي ديوس»، الذي وضع الأسس الأولى لتطوير المنتخبات الوطنية واكتشاف المواهب. في عام 2020، تولى «بوبيستا» الإدارة الفنية للمنتخب الأول، ليترجم هذا العمل إلى نتائج ملموسة على أرض الملعب، وأصبح من أقوى المنتخبات الإفريقية، وبلغ نهائيات كأس العالم. هذا النجاح لم يكن ضربة حظ، بل تعود جذوره إلى سنوات من العمل الجماعي المنظم، وبرامج التطوير، والخطط الاستراتيجية، والاستثمار في المدرب واللاعب والبنية التحتية، لا إلى مجرد ظهور جيل موهوب. الرأس الأخضر دولة تتكون من أرخبيل يضم عشر جزر بركانية، وتعتمد على السياحة كأحد أهم مصادر الدخل، وهي أصغر دولة من حيث المساحة تتأهل إلى كأس العالم. تصدر منتخبها الملقب بـ«القروش الزرقاء»، مجموعته في التصفيات، ليحجز للمرة الأولى مقعده في أكبر وأهم حدث كروي في العالم، يتابعه مليارات البشر. بتعادلهم مع السعودية اليوم، صعدوا إلى دور الـ32 كصيف المجموعة خلف إسبانيا، برصيد ثلاث نقاط من ثلاث مباريات، من دون أي هزيمة. العقول السليمة تصنع جواهر من لا شيء، بينما قد تدفن الجواهر الثمينة بأيدي الفحامين.